شيخ الأزهر يُهنئ الرئيس السيسي والأمة الإسلامية بذكرى المولد النبوي الشريف

الإمام الأكبر أ.د: أحمد الطيب.png

في ذكرى مولده ﷺ.. شيخ الأزهر يستعرض مظاهر رحمة نبي الإنسانية في السلم والحرب

شيخ الأزهر: فقدان الرحمة والتراحم أخطر ما يواجه الإنسان في العصر الحديث

شيخ الأزهر: أخلاق الحرب في الإٍسلام تشير إلى عظمة صاحب هذه الذكرى المقدسة في قلوبنا وعقولنا

شيخ الأزهر: الإسلام سبق العالم إلى وضع قواعد إنسانية للحرب وصيانة حقوق الضعفاء

شيخ الأزهر: شيخ الأزهر يكشف الفارق بين عدالة الحروب التي قادها النبي ﷺ ووحشية الحرب في العصر الحالي

شيخ الأزهر: الإسلام لم يجعل الحرب غاية.. وإنما شرعها لرد العدوان

شيخ الأزهر: الحرب في شريعة الإسلام وشرائع الأديان وشرائع الضمير الإنساني من باب الضرورات التي يجب تجنبها قدر الإمكان

هنَّأ فضيلة أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، والشعب المصري العظيم، بذكرى مولد خير الناس وأرحمهم وأنبلهم، سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين. كما تقدم فضيلته بالتهنئة بذكرى المولد النبوي للأمة العربية والإسلامية، ملوكًا ورؤساء وحكامًا وشعوبًا، وكل محب لهذا النبي العظيم، ومُقدِّر لرسالته الإلهية ودورها الخطير في بناء حضارة الإنسان وتأسيسها على مبادئ: العدل، والحرية، والمساواة بين الناس.

وقال شيخ الأزهر -خلال كلمته اليوم الأربعاء في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بالعاصمة الجديدة، بحضور سيادة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي- إنه يمر اليوم على ميلاد رسول الإنسانية ﷺ ما يقرب من خمسة عشر قرنًا من الزمان، ولا يزال عالمنا المعاصر -شرقًا وغربًا- يعشو إلى ضوء مصباحه الذي أشرق على الوجود فأضاءه بعد ليل طويل حالك الظلمات، بدت فيه شمس الحضارة الإنسانية آنئذ وكأنها تؤذن بغروب لا شروق بعده؛ فقد كان العالم في ذلكم الوقت في أمسِّ الحاجة إلى ثقافة جديدة، ونظام مختلف ينهي ثقافة الطغيان، ويحل محل النظم التي كانت تسند ظهرها إلى القوة والاستبداد، وقرابة الدم، ومنطق القبائل والعشائر، ثم شاء الله تعالى أن تأتي هذه الثقافة البديلة من جزيرة العرب، وأن تجد هذه الثقافة في مبدأ التوحيد، ولغة الوحي النبوي أساسًا لوحدة العالم كله.

وأوضح فضيلته، أن هذا النور المحمدي قد ظهر والدُّنيا بأَسْرها تتقاسمها حضارتان متصارعتان، كلتاهما حرب للأخرى، هما: حضارة الأكاسرة في الشرق، وحضارة القياصرة في الغرب، وكانت العلاقة بينهما تحكمها شرائع وأعراق رومانية، تقول: «من جاورك فهو عدوك، تُخضعه أو يُخضعك، وتبدأ بحربه متى استطعت، أو يبدؤك هو بالحرب متى استطاع..». وكانت هذه الشريعة على أشدها في معاملة الدولتين لبلاد المسلمين، مضيفًا أن الحديث عن موقف دولة الإسلام الوليدة من هاتين الدولتين الكبيرتين، وإن كان مما يتجاوز حدود هذه الكلمة زمانًا ومكانًا، فقد يغني عن كثير منه ما هو مسجل في تاريخ القرون الوسطى عن هذا الصراع، وكيف أن هاتين الدولتين هُزِمَتا معًا أمام الدولة الوليدة، وفي بضع سنين؛ فيما يؤكد الأستاذ العقاد.

وأضاف شيخ الأزهر: ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه عالمنا المعاصر -اليوم- بعالم الأمس يوم بعث هذا النبي الكريم، بل ما أشد حاجة عالم اليوم إلى هدي محمد ﷺ لإنقاذه مما غرق فيه من حمأة العلل والأمراض النفسية والاجتماعية والآفات الخلقية، وما ركن إليه من سياسات القهر والظلم والبطش بالفقير والضعيف، وما خلفه كل ذلك من أزمات اقتصادية واضطرابات سياسية، ومن توترات وصراعات، ومن منغصات العيش ومكاره الحياة، لافتًا إلى أن أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر، ويتربص به الدوائر، هو فقدان قيمة الرحمة والتراحم بين البشر، وهي قيمة اتصف الله تعالى بها، ومدح بها أنبياءه، وأتمها في النبي الخاتم، وعُدَّت من أخص خصائصه، وبها جاء ثناء الله تعالى في القرآن الكريم على خُلق هذا الرسول، ووصفه هذا الخُلق النبوي بأنه خلق عظيم، وذلك في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقد وقف العلماء طويلًا على أبواب هذه الآية، واستخلصوا منها دروسًا بالغة العمق في دلالتها على تفرد هذا النبي ﷺ بأخلاق عالية القدر لم تعرف لغيره من سائر البشر.

وبيَّن فضيلته، أن أول ما فطنه العلماء من وحي هذه الآية أن عظمة أخلاقه ﷺ عظمة واسعة مطلقة لا تعرف الحدود ولا القيود، وأن أخلاقه واسعة كذلك بغير حدود ولا قيود، ضرورة أن سعة الصفة تقتضي -حتمًا- سعة ما هي صفة له، وقد وصفته زوجه السيدة عائشة أم المؤمنين -وهي أخبر الناس به- حين سئلت عن خُلُقه؛ فقالت: «كان خُلُقه القرآن»، وفي رواية: «كان خُلُقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط بسخطه»، وهذا يعنى: أنه ﷺ كان يتصف بكل صفة حميدة ذكرت في القرآن الكريم، وأنه خلا من كل صفة ذميمة حذر منها القرآن، وأن أوصاف خُلُقه العظيم تشبه معاني القرآن في سعتها وشمولها، وهذا هو المقصود من «غاية الاتساع». ومن هنا؛ وسعت أخلاقه جميع أخلاق بني آدم، بل جميع أجناس مخلوقات العالم، وانطلاقًا من سعة هذه العظمة يقرر العلماء أن الله تعالى أرسل محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه- إلى العرب والعجم والإنس والجن وسائر الأمم، موضحًا أن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك؛ يذهب إلى أنه ﷺ أُرسل إلى الملائكة وغيرهم من سائر الخلق؛ استنادًا إلى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

وشدَّد فضيلة الإمام الأكبر على أن لنا فيما تعانيه البشرية اليوم من مسلسل الحروب والدماء والأشلاء، وهدم البيوت والمستشفيات على الأطفال والنساء والمرضى، وخلف الوعود، ونقض العهود- لعبرة ومندوحة وسعة، مشيرًا إلى صعوبة المقارنة بين بشاعة حروب القرن الواحد والعشرين، وعدالة الحروب التي كان يقودها صاحب هذه الذكرى العطرة، وقادها من بعده خلفاؤه وأنصاره، فهذه المقارنة -فوق أنها تستعصي على التلخيص والإيجاز- هي من باب النقيضين اللذين لا يجتمعان في أمر مشترك بينهما بحال من الأحوال.

وأشار شيخ الأزهر إلى أن أول ما يحرص العلماء على بيانه في الحديث عن أخلاقيات الحرب في الإسلام هو أن الباعث على القتال في الإسلام ليس هو حمل الناس على اعتناق هذا الدين، ولا حملهم على أن يتبعوا مذهبًا اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا معينًا، وإنما الباعث على القتال هو: دفع العدوان ورَدُّه؛ قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، مشيرًا إلى أنه حدث أن شخصًا أراد أن يكره ابنه على اعتناق الإسلام، فنهاه النبي ﷺ ومنعه من ذلك، وجاءت امرأة غير مسلمة إلى الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تسأله حاجة لها؛ فدعاها إلى الإسلام؛ فأبت، فانتبه سريعًا إلى الآية التي تُحرِّم الإكراه على الدين، وخشي أن يكون من الخارجين عليها؛ فاتجه إلى الله تعالى معتذرًا وهو يقول: «اللهم إني أرشدت ولم أكره».

وتابع فضيلة الإمام الأكبر أنه إذا كان الباعث على القتال محصورًا في دفع الاعتداء؛ فإن الحرب تصبح في شريعة الإسلام وشرائع الأديان، بل وشرائع الضمير الإنساني -من باب الضرورات التي يجب تجنبها قدر الإمكان- وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية». فإذا عزم المسلمون على الحرب فالواجب عليهم شرعًا ألا يبدؤوا قتال الأعداء قبل أن يخيروهم بين ثلاث: إما الإسلام، وإما معاهدة سلام، وإما القتال الذي يصبح اختيارًا اضطراريًّا لا مهرب منه، وهذا ما قاله النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، وكان قائدًا في إحدى المعارك، في وصية لا يعرف التاريخ لها نظيرًا في باب الإنصاف والعدل، ومراعاة حقوق الآخر حتى لو كان من الأعداء المقاتلين.

وأضاف فضيلته، أن النبي محمدًا ﷺ قال لمعاذ: «لا تقاتلوهم حتى تَدْعُوهم؛ فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلًا، ثم أروهم ذلك القتيل، وقولوا لهم: هل إلى خير من هذا سبيل؟ فلأن يهدي الله على يديك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت». وقد ذهب المالكية والحنفية إلى: «وجوب الانتظار ثلاثة أيام بعد دعوتهم للإسلام، وألا تبدأ المواجهة قبل اليوم الرابع»؛ رجاء أن يقبلوا الإسلام، أو يجنحوا إلى معاهدة السلم أو الصلح، وأصل ذلك كله حديث ابن عباس رضي الله عنه: «ما قاتل رسول الله ﷺ قومًا قط إلا دعاهم إلى الإسلام»، لافتًا إلى أن مما يقف له المتأمل في فقه هذه الشريعة إجلالًا وإكبارًا ما تقرره في أحكامها من حرمة الإقدام على قتال من لم تبلغهم دعوة الإسلام، وعلى نحو يُبين لهم محاسن هذا الدِّين، وما يضمنه للناس من حقوق العدالة والمساواة والحياة الطيبة: عقيدة وشريعة وأخلاقًا. وبعبارة أخرى: حرمة المباغتة والأخذ على غِرَّة قبل أن يُنذَروا ويُدعوا إلى الإسلام دعوة كافية في التعريف به، أو يُدعوا إلى معاهدة سلام.

وبيَّن شيخ الأزهر أنه إذا بدأ القتال، فها هنا نصوص قاطعة تطالب قادة جيوش المسلمين باحترام حقوق الضعفاء ممن لا يتصور منهم العدوان وحمل السلاح، فيحرم التعرض للنساء بالأذى أو بالقتل، وكذلك الأطفال يحرم قتلهم، كائنة ما كانت قسوة هذا العدو في قتال المسلمين. كما يحرم قتل الشيوخ من المسنين، وقتل الرهبان واللائذين بالكنائس والمعابد ودور العبادة، وقتل الجرحى والمرضى والزمنى، وهم من طال عليهم المرض. كما يحرم قتل المجانين والمكفوفين والزراع، وكذلك يحرم قتل الدواب والحيوانات، اللهم إلا إذا ذبحت بنِيَّة الأكل؛ فيباح للمنفعة، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. ويذهب ابن حزم إلى أبعد من ذلك في قوله: «لا يحل عقر شيء من حيواناتهم البتة، لا الإبل، ولا البقر، ولا الغنم، ولا الخيل، ولا الخنازير».

وتابع فضيلته، أن الإمام الشافعي قد ذهب من قبل إلى أبعد مما ذهب إليه ابن حزم في تأكيد شريعة الإسلام على صيانة الدماء وحرمة سفكها، وهو يقرر أنه: لو هجم جيش المسلمين على العدو وباغتهم قبل دعوتهم للإسلام وأوقع فيهم قتلى- فإن الحكم الشرعي هنا هو: وجوب دية هؤلاء القتلى على من قتلهم من جيش المسلمين. وكذلك يحرم التمثيل بجثث العدو؛ أخذًا من نهيه ﷺ عن ذلك، وتحذيره من هذه الجريمة النكراء، وذلك في قوله: «إياكم والمثلة». هذا، ويقرر العلماء ثبوت حرمة التمثيل بجثث العدو، حتى لو أقدم العدو على التمثيل بجثث شهداء المسلمين، مؤكدًا فضيلته أن كل ما أشرنا إليه في كلمتنا ليس هو كل ما هنالك من فقه الحرب في شريعة الإسلام، فهناك الكثير من الأحكام التي تضبط مسيرة الجهاد في سبيل الله قبل القتال وأثنائه وبعد انتهائه، وبخاصة: فقه المعاهدات، وفقه الأمان، وعقد الصلح، وأحكام الأسرى، وغير ذلك مما حفلت به تشريعات الإسلام، واستندت فيه إلى إعمال قيم الرحمة والعدل والإحسان، وتطبيقاتها في كل كبيرة وصغيرة وشاردة وواردة من هذه الأحكام.

واختتم شيخ الأزهر كلمته بأن المقابلة بين حروب الأمس وحروب اليوم ليست مقارنة بين حروب الإسلام وحروب حضارة القرن الواحد والعشرين، بقدر ما هي تعبير عن حاجة العالم اليوم إلى منقذ، وإن شئت فقل: إلى طوق نجاة ينجيه من المزيد من الغرق في مجرة الظلمات، وأن هذا الطوق هو استذكار سيرة نبي الإنسانية في يوم مولده ﷺ، والاستضاءة بما أرسله الله به من القيم الإنسانية التي نصح بها أمته، ومن ورائها سائر الأمم، وأودعها جوامع كلمه وحكمه في قوله صلوات الله وسلامه عليه: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك».

اشترك لمتابعة الأخبار

جميع الحقوق محفوظة لموقع الإمام الطيب 2026